ابن العربي
733
أحكام القرآن
التأويل الذي يخرج عنه هذا هو أرجح ، ولا يسلم تأويل من اعتراض ؛ فإن البيان من اللّه تعالى في هذه الآية للأحكام جاء على صفة غريبة « 1 » وهو سياقه على الإشارة إلى القصة ؛ ولذلك جاء بانتقالات كثيرة ، منها أنه قال : فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما . وربما كان المدعى واحدا ، فليس قوله تعالى : ( فآخران ) خارجا مخرج الشرط ، وإنما هو كناية عمّا جرى من العدد في القصة ، والواحد كالاثنين فيها ؛ فيطلب الناظر مخرجا أو تأويلا للفظ لا يحتاج إليه ، فيدخل الإشكال على نفسه من حيث لا يشعر به ، فلا يساحل « 2 » عن هذا البحر أبدا ؛ وكذلك ما جرى من التعديد لا يمنع من كون الشهادة بمعنى اليمين ، كما في اللعان . وإن كان لم يذكر في اللّعان عددا ، وجرى ذكره هاهنا لاتّفاقه في القصة ؛ لا لأنه شرط في الحكم . وكذلك ذكر العدالة تنبيها على ما يجب ؛ لأنه إن أشهده وجب أن يكون عدلا لتحمل الشهادة ، فإن ائتمنه وجب أن يكون عدلا لأداء الأمانة . المسألة التاسعة والثلاثون - في تقدير الآية : وهو : يا أيّها الذين آمنوا إذا ضربتم في الأرض ، وحضركم المرض الذي هو سبب الموت ، وأردتم الوصية فأشهدوا ذوى عدل منكم من قرابتكم أو آخران من غيركم فإن خافا فاحبسوهما على اليمين إن عدمتم البينة . فإن تبينت بعد ذلك خيانتهم حلف ممن حلفوا له ، وهو أولى باستحقاق ما يجب باليمين . وعلى مذهب أحمد يكون تقدير الآية : فاشهدوا ذوى عدل من المسلمين ، فإن لم تجدوا فأشهدوا الكفّار ؛ فإن أدّيا ما أحضرا له أو ائتمنا عليه فبها ونعمت ، وإن أدركتهم تهمة أو تبينت عليهم خيانة ، حلفوا . وليس في الآية ما يدلّ على قبول شهادتهم في الوصية على مذهب أحمد . وإنما قبلنا نحن شهادة العدل في الوصية بدليل آخر غير هذه الآية ، وكذلك قوله : إنما يكون ذلك من قبول شهادة الكفار إذا عدم المسلمون ، وليس في هذه الآية إلا التسوية بينهما ، فكلّ شيء يعترضكم من الإشكال على دليلنا وتقديرنا الذي قدّرناه آنفا ، فانظروه في موضعه هاهنا تجدوه مبيّنا إن شاء اللّه تعالى .
--> ( 1 ) في ل : عربية . ( 2 ) ساحل : أتى ساحل البحر وشاطئه .